ابن الجوزي
127
صيد الخاطر
تلك الإصبع الفاردة ، أحب إلي من مائة ألف سيف شهير ، وسنان طرير . فلما فتح عليهم قال له : ما كنت تصنع ؟ قال : آخذ لك بمجامع الطرق . 78 - كتمان الأمور ينبغي لمن تظاهرت نعم اللّه عز وجل عليه أن يظهر منها ما يبين أثرها ، ولا يكشف جملتها ، وهذا من أعظم لذات الدنيا التي يأمر الحزم بتركها ، فان العين حق . واني تفقدت النعم فرأيت إظهارها حلوا عند النفس إلا أنها ان أظهرت لوديد لم يؤمن تشعّث باطنه بالغيظ ، وان أظهرت لعدو فالظاهر إصابته بالعين لموضع الحسد ، إلا أنني رأيت بعد الحسود كاللازم ، فإنه في حال البلاء يتشفى ، وفي حال النعم يصيب بالعين ولعمري إن المنعم عليه يشتهي غيظ حسوده ، ولكنه لا يؤمن أن يخاطر بنعمته ، فان الغالب إصابة الحاسد لها بالعين ، فلا يساوي الالتذاذ باظهار ما غيظ به ما أفسدت عينه بإصابتها ، وكتمان الأمور في كل حال فعل الحازم ، فإنه ان كشف مقدار سنه استهرموه ان كان كبيرا ، واحتقروه ان كان صغيرا ، وان كشف ما يعتقده ناصبه الأضداد بالعداوة ، وان كشف قدر ماله استحقروه ان كان قليلا ، وحسدوه ان كان كثيرا ، وفي هذه الثلاثة يقول الشاعر : احفظ لسانك لا تبح بثلاثة * سن ومال ما استطعت ومذهب فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة * بمموه وممخرق ومكذب وقس على ما ذكرت ما لم أذكره ، ولا تكن من المذاييع الغر الذين لا يحملون أسرارهم حتى يفشوها إلى من لا يصلح ، ورب كلمة جرى بها اللسان ، هلك بها الانسان . 79 - عبرة العثرة رأيت كل من يعثر بشيء أو يزلق في مطر يلتفت إلى ما عثر به ، فينظر اليه ، طبعا مرفوعا في الخلق ، إما ليحذر منه إن جاز عليه مرة أخرى من مثله ، أو لينظر مع احترازه وفهمه كيف فاته التحرز من مثل هذا ، فأخذت من ذلك إشارة وقلت : يا من عثر مرارا هلّا أبصرت ما الذي عثرك فاحترزت من مثله ، أو قبحت لنفسك مع حزمها تلك الواقعة ، فإن الغالب ممن يلتفت أن معنى التفاته : كيف عثر